حسن الأمين

203

مستدركات أعيان الشيعة

« . . . وتفيد معلومات أخرى أن أصل هذه الاضطرابات هم الرجعيون يسعون ، بمساعدة رجال الدين ، إلى إثارة التعصب الديني عند الجماهير ليسخروهم في محاربة الحكومة . وقد تحصن كل مديري الجرائد الرجعية المعارضة في المجلس في اليوم الثامن من هذا الشهر » اه . وتمادى بعض الصحف الموالية فاخذ بنشر مقالات في نقد الدين والسخرية من العقائد الدينية . ولكن « رضا خان » تنبه إلى ما في هذا الأمر من أخطار عليه ، إذ هو يحمل العامة على مخالفته والنفور منه . فأوعز إلى هذه الصحف بالكف عن نشر مثل هذه المقالات . بل أمرها بتحسين إقامة الشعائر الدينية والدعوة إليها . واتفق أن كان ذلك في شهر رمضان ، فأمر بنصب فسطاط كبير في ثكنة القوزاق ودعا الوعاظ وقراء السيرة الحسينية إلى الوعظ وقراءة السيرة فيها . وكان هو نفسه يحضر هذه المجالس . وأوعز إلى الصحف الموالية له بالتحدث عن هذه المجالس والإشادة بورعه وحرصه على رعاية الدين . هدية من النجف وكان « رضا خان » قد أرسل مع المراجع المنفيين من العراق حين عودتهم إليه أحد ضباط القوزاق يرافقهم إلى النجف . وعاد هذا من النجف في أواخر شهر شوال سنة 1342 ه‍ . ق . الموافق أواسط شهر خرداد سنة 1303 ه‍ . ش . ومعه رسالة من « الميرزا محمد حسين النائيني » إلى « رضا خان » يشكره فيها على رعايته لهم وحسن ضيافة الحكومة الإيرانية . ومع الرسالة هدية هي صورة قديمة للإمام علي بن أبي طالب ( ع ) كانت محفوظة في خزانة العتبة العلوية فطلبها « النائيني » من قيم الخزانة وأرسلها هدية إلى « رضا خان » . وقد وصلت هذه الهدية في وقت الحاجة إليها . فقرر « رضا خان » أن يحسن استغلالها لتزكية نفسه عند الصحافة والمتدينين بأنه يحترم الدين ومقدساته . فأمر بان يهيأ لتسلمه الصورة مجلس يكون مهرجانا فخما . وطبع بطاقات دعوة أرسلها إلى الكبراء وسفراء الدول الإسلامية . ونشر دعوة عامة إلى كل المسلمين والعلماء والأعيان ورجال المملكة . ونصب في حديقة « باغشاه » فساطيط يختص كل منها بفئة من المدعوين . وأمر الصحف الموالية له بنشر خبر المهرجان بعبارات التعظيم والتشويق . وهذا نموذج من أقوال تلك الصحف نشرته إحداها في الصدر منها : « اليوم يوم أكبر أعياد الإيرانيين . ففيه يتم إعطاء أعظم جنود إيران المؤثرين على أنفسهم أعظم مكافاة وأجمل إنعام من أعظم أئمة عالم الإسلام وأشجع شجعانه . اليوم يسطع في مركز المملكة الشيعية نور الايمان المشعشع بعد أن ظل مستورا قرونا . « اليوم سل ذو الفقار من غمده وحط على كتف قائد الجيش ملاطفا لا معا كالبرق ، احتفاء بتعليق أعظم أوسمة التقدير على صدر أعظم مجاهدي الإسلام في العصر الحاضر . « اليوم يحفظ أسد الله الغالب علي بن أبي طالب بصورته المباركة وجود رضا بهلوي البهي من شر شياطين الجن والإنس » . « يا للحرز المبارك ! يا للتعويذة الميمونة ! هم العلماء الأعلام والمجتهدون العظام التمسوا ، قلبا واحدا وقولا واحدا ، من أعتاب ملك الشجاعة هذه المرحمة العظمى لقائد الجيش ، وعادوا مفتخرين رافعي الرأس بان قبل أمير المؤمنين التماسهم » . وفي الموعد المعين ذهب « رضا خان » رئيس الوزارة والوزراء وبعض العلماء إلى مقام « عبد العظيم الحسني » ( رض ) فعلقوا الصورة على صدره بين مظاهر التعظيم والاحترام وعادوا به إلى مكان الاحتفال وقد بدا مشعا بالأنوار زاهيا بالزينات واحتشد فيه خلق كثير وجلست كل فئة في فسطاطها المختص بها . وخطب سفير تركيا . وشكره « رضا خان » بخطبة . وكان مدار الخطبتين كليهما الإسلام والأخوة الإسلامية . وكان أحدهم قد أناخ بعيرا عند مدخل الحديقة . فلما انتهى الاحتفال وخرج « رضا خان » نحر الرجل ذلك البعير عند قدميه . وأمر « رضا خان » بإنشاء منصب « ناظر الشرعيات » ومهمته مراقبة المنشورات والمطبوعات والتمثيليات وأمثال هذا وإجبار أصحابها على التقيد بالأحكام الشرعية والتزام الآداب الإسلامية . ولكن كل تلك المظاهر كانت رياء لاكتساب قلوب العامة وتملق رجال الدين إذ كان مضطرا إلى مسالمتهم لأن نفوذهم كان عظيما في نفوس الناس لا قبل له بمقاومتهم . فلما استتب له الأمر بعد ذلك وأمسك بيده زمام سلطة دكتاتورية مطلقة لم يال جهدا في طمس معالم الدين والتنكيل برجال الدين والمتدينين . أول تمرد في المجلس النيابي وامتد التنديد بالشاه من الصحف المؤيدة لرئيس الوزارة إلى المجلس النيابي ففي جلسة عقدها في 29 خرداد سنة 1303 ه‍ . ش . بتر أحد النواب من اليمين القانونية التي يجب أن يحلفها النواب عبارة مفادها التعهد بالوفاء للشاه وتجنب خيانته . وامتنع بعضهم عن حلف اليمين أصلا لأنه يتضمن هذه العبارة . ولكن رئيس المجلس ألزمهم بالحلف الكامل وإلا كان امتناعهم تمردا على القانون الأساسي . واغتيل معارض شاب كان من أعلام الثقافة والأدب هو الشاعر الصحافي « مير زاده عشقي » . وكان لقتله وقع مؤلم شمل طهران . و [ فدر ] قدر عدد مشيعيه بحوالي ثلاثين ألفا . ويجدر بالذكر أن هذا الشاب الأديب كان من أشد الناس حماسة للجمهورية . وله مواقف وطنية مشهودة من يوم عقد معاهدة سنة 1919 م . ولكنه انقلب على الجمهورية وطلابها إذ تبين أنها لم تكن غير ذريعة إلى إيصال « رضا خان » إلى مقام الدكتاتور المطلق ، وأن النظام الملكي القائم أحفظ للدستور والحكم النيابي من هذه الجمهورية المزورة . ومن ثم أصبح من أتباع السيد « حسن المدرس » المخلصين بعد أن كان من خصومه . ومثل هذا الشاب كثيرون . في يوم 15 ذي الحجة سنة 1342 ه‍ . ق . الموافق 27 تير سنة 1303 ه‍ . ش . و 19 تموز سنة 1924 م قتل في طهران المأجور « إيمبري ويس » قنصل الولايات المتحدة الأميركية . قتله الناس ضربا بالعصي وهو يلتقط صورة فتغرافية عند سبيل ماء شاع أنه حدثت عنده معجزة شفاء ، إذ كانت لهذا السبيل صفة مقدسة . وتجمع عنده جمهور غفير من الأهالي ، وجاء هذا الأميركي يلتقط صورة من هذا المشهد يطرف بها الأميركيين . وجاء من اندس بين الناس وأشاع أن هذا الأميركي يريد وضع السم في ماء السبيل .